الشيخ محمد هادي معرفة
300
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
* ويحدّث عن حالة نفسية معنوية هي حالة التضايق والضجر والحرج ، فيجسّمها كحركة جثمانية : « وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ » . « 1 » فالأَرض تضيق عليهم ، ونفوسهم تضيق بهم كما تضيق الأَرض ، ويستحيل الضيق المعنوي في هذا التصوير ضيقا حسّيا أوضح وأوقع ، وتتجسّم حالة هؤلاء الّذين تخلّفوا عن الغزو مع الرسول ، فأحسّوا بهذا الضيق الخانق ، وندموا على تخلّفهم ذلك الندم المحرج ، حتى لا يجدون لهم ملجأً ولا مفرّا ، ولا يطيقون راحةً إلى أن قبِل اللّه توبتهم . « 2 » ومثله : « وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ » « 3 » فالقلوب كأنّما تفارق مواضعها وتبلغ الحناجر حقّا من شدّة الضيق . ومنه : « فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ » « 4 » كأنّما الروح شي مجسّم ، يبلغ الحلقوم في حركة محسوسة . ومنه : « إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ » « 5 » أي ضاقت صدورهم من الحيرة والحرج بين أن يقاتلوكم انتصارا لقومهم ، أو يقاتلوا قومهم انتصارا لكم . * ويصف حالة عقلية أو معنوية ، وهي حالة عدم الاستفادة ممّا يسمعه بعضهم من الهُدى ، وكأنّهم لم يسمعوا به ، أو يتصلوا اتّصالًا ما ، فيجعل كأنّما هناك حواجز مادّية تفصل بينهم وبينه ، مثل : « إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ » . « 6 » أو « وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً « 7 » أنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً » . « 8 » أو « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » . « 9 » أو « إِنَّا جَعَلْنا فِي
--> ( 1 ) - التوبة 118 : 9 . ( 2 ) - الثلاثة هم : كعب بن مالك ، وهلال بن اميّة ، ومرارة بن الربيع . ( 3 ) - غافر 18 : 40 . ( 4 ) - الواقعة 83 : 56 - 84 . ( 5 ) - النساء 90 : 4 . ( 6 ) - الشعراء 212 : 26 . ( 7 ) - أغطية . والوقر : الصمم وأصله الثقل . ( 8 ) - الأنعام 25 : 6 . ( 9 ) - محمَّد 24 : 47 .